محمد أبو زهرة

1583

زهرة التفاسير

الفساد ، بيد أن الثاني تخريجه على أساس تقييد العدد ، أما هذا فسياقه المطالبة بالعدالة ، وهما متلاقيان في الجملة . وعلى كليهما يكون التعدد والعدالة قد سيق الكلام لهما ، ولم يكن عرضا ، وإنا نختار ذلك ، وسياق القول يدل عليه ، وذلك أن الكلام في اليتامى قد اختلط بالكلام في النساء ، وذلك لأن كليهما ضعيف ، وقد كانت حقوق المرأة ضائعة مأكولة كما كانت حقوق اليتيم ضائعة مأكولة ، والمرأة في عهد نزول القرآن كانت أسيرة في بيت أبيها وبيت زوجها فأوصى الله برعايتها كما أوصى برعاية اليتيم ، ولذلك قيد التعدد بالعدل ، وقيد بالقدرة على الإنفاق كما سنبين ، وذلك لكيلا يقع ظلم على المرأة . ولفظ « مثنى » معدول به عن اثنين ، اثنين ، وثلاث معدول به عن ثلاث ثلاث ، ورباع معدول به عن أربع أربع ، ومعنى جاء الجند مثنى أي جاءوا اثنين اثنين ، وجاءوا ثلاث أي ثلاثة ثلاثة ، ورباع أي أربعة أربعة ، ومعنى الآية على هذا أن لجماعة العاقلين أن يتزوجوا معددين جامعين اثنين أو جامعين ثلاثا ، أو جامعين أربعا ، والخطاب في قوله تعالى : فَانْكِحُوا لجماعة المسلمين ، أي كونوا أيها المسلمون معددين اثنين أو ثلاثا إلى آخره . والعطف على نية تكرار العامل ، أي انكحوا جامعين اثنين أو انكحوا جامعين ثلاثا أو انكحوا جامعين أربعا ، وبهذا النص يستفاد أن الإباحة مقصورة على أربع ، وقد ثبت في السنة أن بعض الذين أسلموا كان معهم في عصمتهم أكثر من أربع فأمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يقتصروا على أربع ، ويطلقوا الزائد عنهن « 1 » . وقد قيد التعدد بقيدين أحدهما القدرة على العدالة ، والثاني القدرة على الإنفاق ، ولذلك قال سبحانه وتعالى بعد ذلك : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا .

--> ( 1 ) عن سالم ، عن أبيه قال : أسلم غيلان بن سلمة الثقفي وعنده عشر نسوة فأمره النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يأخذ منهن أربعا . رواه الحاكم في المستدرك ( 2829 ) ج 2 ، ص 209 .